2016-07-28

الانتقال من المتاح إلى الممكن.. التكنولوجيا وشفافية الحكومات وحقنا فى المعرفة

Public Domain - Fons Heijnsbroek flickr.com//abstract-art-fons
Public Domain - Fons Heijnsbroek flickr.com//abstract-art-fons 
الحق في المعرفة مسألة جوهرية لاستقلالية الأفراد وتعزيز قدرتنا على اتخاذ القرار وتشكيل الذات وتحديد الأنسب بناء على معطيات متنوعة مستمدة من المعرفة. ومن الوارد أن تتغير القرارات مع الوقت بناء على تغير المعرفة وبالتبعية فهم مختلف.

ومن العمدان الرئيسية لبناء مجتمع ديمقراطي فعال هو تفعيل مبدأ  الخصوصية بما في ذلك قدرة الأفراد على السعي وراء المعرفة وتبادلها والبناء عليها وتشاركها على نحو حر، وتحرير المعارف من القيود التقليدية سواء كانت لغوية أو قانونية أو مادية أو جغرافية، وتمكين الأفراد من التحكم في بياناتهم الشخصية والقدرة على الاختيار بشكل طوعي كيفية المشاركة ومع من والكم بدون إكراه أو تدخل أو عقاب.

اتسمت مختلف الأنظمة حول العالم منذ زمن بهوس التحكم في معارف الناس وتجلى ذلك الهوس في إقدام السلطات على  التحكم في وسائط تداول المعلومات مثل الصحف والراديو والفن والكتب، وفي تطريز قوانين تضمن التكتم على المعلومات وبالتبعية الإفلات من العقاب وتجنب الشفافية.

مع تطور مفاهيم الحكم الديمقراطي والمنظومة الدولية لحقوق الإنسان تطورت آليات الإفصاح الحكومي عن البيانات وآليات تمكن المواطنين من الحصول على بيانات، وذلك من منطلق حوكمة أكثر فعالية وقدرة على محاسبة المسئولين وتطوير المجتمعات.

معارك تحرير وتقييد المعلومات
وبالرغم من التطور الحاصل في الآليات المشروعة للحق في المعرفة إلا أن ذلك كان مصحوب بقيام الدوائر الأمنية والحكومية بتطوير مفهوم تصنيف البيانات وتقنين قدرة السلطة على تجنب الإفصاح والمشاركة – خاصة في الموضوعات المثيرة للجدل أو التي شهدت اتخاذ قرارات خلف الأبواب بدون إعلام الرأي العام ومناقشة مجتمعية حقيقية.

على مدار الأعوام الماضية تطورت توظيفات التكنولوجيا في مناحي حياتية مختلفة من بينها إدارة البيانات والسياسة وتنظيم الانتخابات وتقديم خدمات طبية أقوي وتيسير عملية التعليم، وساهمت الطفرات في تكنولوجيا المعلومات في تعزيز مبدأ الحق في المعرفة والنفاذ إلى المعلومات على نحو لم نشهد له مثيل من قبل. وفي نفس الوقت تطورت منظومة المراقبة والتجسس التي طورتها حكومات العالم لإشباع فضول تتبع المواطنين وفيما يفكرون ويقولون ويتشاركون وبالتبعية تصنيف المواطنين وفقا لأهواء السلطات. تلك التقنيات المؤذية أثرت بالسلب على حيوات المواطنين بخرق خصوصيتهم على نحو شمولي والتأثير على قدرة الأفراد في المعرفة والتنظيم، كما تم تطوير التقنيات لبناء سجون "منيعة" للمعلومات والمستندات بعيدا عن أعين المواطنين. ودائما ما يقدم لنا مبررات مثل الأمن والصالح العام ولكن في الحقيقة تنتهي أغلب الجذور عند حماية أمن وبقاء السلطات والأنظمة الحاكمة. وفي نفس الوقت تشتد الجهود التقنية والمجتمعية لتحرير المعارف والبيانات.

كاشفو الفساد… أبطال أم أشرار؟
CC BY-NC-SA 2.0 - flickr.com/freepress
CC BY-NC-SA 2.0 - flickr.com/freepress
بدأ العالم منذ سنوات التأقلم على ظهور تسريبات فجائية تكشف عن بيانات في غاية الأهمية عن مجريات السياسة والاقتصاد والحروب حول العالم. وكما اعتدنا أيضا على مصطلح "كاشفو الفساد" الذي يشير إلى أفراد كانوا يعملون في مواقع مختلفة بالدولة وقرروا كشف حقيقة ما يحدث وإعلام الرأي العام بإتاحة مستندات ومعلومات رسمية أدت إلى تغيير سياسات وطنية ودولية وتغيير أشكال الحكم ومعاقبة مسئولي الفساد.

من أوائل التسريبات التي كان لها أثر بالغ على المنطقة العربية والسياسات الأمريكية كانت قيام تشيلسي مانينغ التي كانت جندية ومحلله استخبارات بالقوات اﻷمريكية أثناء فترة الحرب على العراق. في تلك فترة كان لها نفاذ على مستودع بيانات رسمي ضخم يكشف الكثير من الوقائع التي لم يكن يعلم بها العالم وقامت بإرسال عدد مهول من المواد لمؤسسة ويكيليكس التي قامت تباعا بالنشر العلاني وإتاحة المواد. كانت البداية مع نشر وثائق حرب أفغانستان في يوليو 2010 والذي وفرت تغطية مختلفة تماما عن مجريات ما حدث، وتلاها  نشر وثائق حرب العراق في أكتوبر 2010 وتضمنت مقاطع فيديو للقصف وسجل بالآف المدنين ضحايا الحرب، وتلاها في نوفمبر 2010 تسريب البرقيات الدبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية والتي تضمنت معلومات سرية ومراسلات بين وزارة الخارجية الأمريكية وبعثاتها الدبلوماسية حول العالم.

في بدايات أبريل 2016 بدأت تسريبات وثائق بنما، حيث تم تسريب 11.5 مليون وثيقة من شركة موساك فونسيكا الدولية في بنما والعاملة في تأسيس الشركات بولايات قضائية ذات نظم ضرائب منخفضه (والمعروف بالملاذ الضريبي). التسريب تلقته صحيفة زود دويتشه تسايتونج الألمانية وقامت بتنسيق أعمال البحث والتغطية مع فريق يقارب من 370 صحفي و 100 مؤسسة إعلامية في ما يقرب من 80 دولة. ويعتبر التسريب الأكبر في تاريخ صحافة البيانات ويكشف غسيل أموال وتهرب ضريبي وحسابات وبيانات لقادة سياسيين وحكام ووزراء في دول مختلفة إلى جانب كبار المجرمين، وتتناول البيانات فترة زمنية تقارب 40 عاما من 1977 إلى 2015، ومتصلة بـ200 دولة ومن بين النتائج الفورية: استقالة رئيس وزراء أيسلندا – اعتراف رئيس الحكومة البريطانية بالاستثمار والتربح - استقالة وزير الصناعة الأسباني.

وبين تلك الوقائع وقعت واحده من أقوى التسريبات في دوائر الاستخبارات عندما قام إدوارد سنودن، خبير ومحُلل نظم معلوماتية بوكالة الأمن القومي الأمريكية ووكالة المخابرات المركزية سابقا، في منتصف 2013 بالكشف عن أكبر عمليات مراقبة إلكترونية تجريها دوائر الاستخبارات على المواطنين حول العالم، و قيامه بتسليم أدلة و مستندات على تلك العمليات للصحف. وساهمت تلك التسريبات في تفجير جدل دولي موسع مستمر إلى يومنا هذا في مسائل الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب والخصوصية، إلى جانب إعادة هيكلة التشريعات والقوانين الدولية والإقليمية المتصلة – على مستوى السياسة والتكنولوجيا.

كل ما سبق ساهم بشكل جذري في تغيير ما كنا نعتقده ونعرفه وقدم لنا رؤية شاملة ومفصلة عن مختلف أوجه الفساد في العالم، وأدت إلى عزل مسئولين ومحاكمة البعض الآخر وتبدل السياسات الحاكمة. وفي نفس الوقت فتحت مناقشات على مستوى العالم تتراوح بين معاقبة ما يقوم بالكشف عن فساد وحمايته، وبين تشديد الآليات الأمنية وبين تنقيحها من أوجه الفساد والإفراط في السلطة.

خصوصية الأفراد وشفافية الحكومات
CC BY-SA 2.0 - flickr.com/twicepix
CC BY-SA 2.0 - flickr.com/twicepix
يوجد دائما خلط وتداخل بين موضوعين عند الحديث عن المعلومات الرسمية والأمن والخصوصية، الأول هو إلى أي مدى يجب أن تستثمر الحكومات في الكتمان مقابل تحسين آليات الإفصاح والمشاركة وحوكمة أفضل، والثاني هو الصراع بين دوائر الأمن ومجتمع التقنية حول العالم فيما يتعلق بتأمين الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بناء على آليات التعمية (أو المصطلح الدارج التشفير) للبيانات بشكل عام. والتداخل بينهم حاصل من منطلق الاعتقاد الشائع أن تلك التقنيات تستخدم لاختراق الحكومات والكشف عن بيانات.

صحيح أن جانب من التسريبات التي عرفها العالم ناتجة عن هجمات تقنية مختلفة، ولكن أيضا يوجد جانب كبير مثل الأمثلة المذكورة أعلاه قائمة على قيام أفراد بإرادتهم بالإفصاح عن البيانات ومشاركتها مع الجميع. التقنيات كأي وسيط يمكن أن يستخدمه الجميع في أغراض مختلفة قد نعتبرها أغراض خيرة أو أغراض سيئة، فعلى سبيل جميعنا نستخدم هواتف محمولة وسيارات  وفي نفس الوقت تستخدم الهواتف والسيارات أحيانا في التفجيرات والأعمال التي تصنف إرهابية. مكافحة التقنيات ومحاربتها ليست الحل والمعالجة الأمنية لمشكلات الحكم والمجتمع ليست أيضا حل ولن تساعد في حماية المجتمع وتقليل الجريمة. الحوكمة الرشيدة وتحسين آليات الحكم والإفصاح وتفعيل الإشراف المستقل على دوائر الأمن والحكومة وتبني معايير منضبطة لتفعيل المراقبة مسائل لا بد منها ولا مفر منها عاجلا أم آجلا.

حماية بيانات المجتمع وخصوصية الأفراد لها أوجه مختلفة تتضمن على سبيل المثال قيام الحكومات بحماية قواعد بيانات إصدار الهويات الرسمية للمواطنين، وحماية السجلات الطبية بالمستشفيات، وتتضمن قيام شركات المحمول ومقدمي الخدمات بحماية اتصالات المواطنين ومراسلتهم وفي هذا الصدد السبيل الوحيد لحماية فعالة هي اتباع معايير تقنية سليمة لحماية تخزين وانتقال ومعالجة البيانات في الوسائط الرقمية – التعمية.

هل المراقبة حل للإرهاب والجريمة؟
كاريكاتير محمد أنور
كاريكاتير محمد أنور
تتذرع دوائر الأمن أن تعمية الاتصالات تؤثر بالسلب على فاعلية المراقبة التي تساعدهم في مكافحة الجريمة ولكن واقع اﻷمر يكشف لنا أن من المستفيدين بتقنيات حماية الاتصالات هم من يطالبون بمكافحتها، كما تكشف لنا مختلف الدراسات عدم وجود جدوى حقيقية للإفراط في المراقبة على الجميع بدون معايير سليمة. 

فعلى سبيل المثال** وليس الحصر، قامت مؤسسة نيو أمريكا البحثية في يناير 2014 بإصدار ورقة بحثية تنظر في درجة ارتباط وفعالية آليات المراقبة والاختراق وفحص سجلات المواطنين بمحاكمة المجرمين، وجدوى تلك الآليات في تحقيق نتائج مختلفة لصالح العدالة. قامت المؤسسة بتحليل قضايا 225 شخصا تمت محاكمتهم في أمريكا على خلفية أفعال تصنف بإرهابية، في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتوصلت إلى أن طرق التحري التقليدية، مثل استخدام المخبرين واستجواب المجتمعات المحلية وعمليات الاستخبارات المباشرة، كانت النواة الأساسية في التحقيقات في أغلب القضايا، في حين أن مساهمة برامج المراقبة كانت محدودة. وتوصلت أيضا إلى أن برنامج فحص ومراقبة المكالمات التليفونية ساهم في بدء التحقيقات فقط في 1.8% من القضايا محل التحليل. وأهم ما جاء في الورقة البحثية، أن برنامج وكالة الأمن القومي الأمريكي المختص بجمع وفحص جميع المكالمات التليفونية "لم يكن ذات تأثير واضح لمنع الأعمال الإرهابية".

وإذا ألقينا نظرة على لندن في المملكة المتحدة - التي تتربع على قائمة أكثر مدن العالم في تركيب كاميرات المراقبة في الأماكن العامة والخاصة - نجد أيضا عدم جدوى حقيقية لنظم كاميرات المراقبة في مكافحة الجريمة. ففي عام 2007 أصدرت جمعية الديمقراطيين الأحرار بلندن تقريرا تحليليا مفصلا عن نسب الجرائم وتدخلات الشرطة في المناطق الإدارية التي تشهد كثافة مرتفعة لكاميرات المراقبة، وتوصل التقرير إلى أن قدرة رجال الشرطة على إلقاء القبض على المجرمين في المناطق ذات مئات الكاميرات لا تختلف عن قدرتهم في المناطق التي تكاد لا تحتوي على أي كاميرات. وقال آنذاك متحدث باسم الجمعية إنه لا يوجد رابط بين ارتفاع نسبة كاميرات المراقبة وتحسين معدل الجريمة. وبالرغم من ذلك نجد أن مدينة لندن وحدها بها 500,000 كاميرا مراقبة وتضم المملكة المتحدة إجمالا 5.9 مليون كاميرا – وفقا لإحصاء صادر في منتصف 2013 عن رابطة الصناعات الأمنية في بريطانيا – أي بمعدل كاميرا واحدة لكل 14 شخصا.

صراعنا الداخلي مع الخير والشر
التكنولوجيا وسيط لا نهائي من الاحتمالات وقدرتنا على الإبداع والتطوير ودفع الحدود أمر واقع. يقال لنا أحيانا أن التكنولوجيا مثل أي شيء سلاح ذو حدين للخير والشر.. ولكني أظن أن الأفراد والسلطات هم من يقرروا كيفية دمج وتوظيف التقنية.. النوايا تتجلى في التوظيف. يمكن إشراك الجميع في عملية صناعة القرار والقانون وتبني معايير ديمقراطية تضمن النهوض بالبلاد بناء على الشفافية والرقابة المستقلة والمحاسبة بناء على وعي معلوماتي – وكل ما سبق يمكن تيسيره بالتقنية، ويمكن استمرار الوضع كما هو عليه.

احترام قواعد العمل في المؤسسات الرسمية والتجارية والالتزام بعدم الإفصاح مسألة مفهومة نظريا. وفي نفس  الوقت مع إدراك الأفراد لحالات الفساد والانتهاكات الخطيرة التي تطيح بالحريات والحقوق، وبداية تورط هؤلاء الأفراد في تلك الأعمال تبدأ حالة الصدمة والقلق، ويصبح تحرير البيانات و الإفصاح وإعلام الرأي العام مقاومة للظلم ويكون النشاط المعلوماتي أساس لإرشاد وعي المجتمعات.. وبالطبع الاختيار الثاني هو الصمت والاستمرار نتيجة خوف أو رضا أو قلة حيلة.

* تم نشر هذا المقال (بدون الصور) في مجلة الديمقراطية العدد رقم 63 يوليو 2016. 
** الأمثلة الواردة مقتبسة من جهود بحثية أجراها الكاتب وتم نشرها في مقال على موقع هنا صوتك.